الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
424
تفسير روح البيان
عليه السلام والمعنى مثل ذلك القص البديع الذي سمعت نقص عليك يا محمد بعض الحوادث الماضية الجارية على الأمم السالفة لاقصا ناقصا عنه تبصرة لك وتوفيرا لعلمك وتكثيرا لمعجزاتك وتذكيرا للمستبصرين من أمتك * وفيه وعد بتنزيل أمثال ما مر من اخبار القرون الخالية : وبالفارسية [ همچنانچه اين قصهء موسى بر تو خوانديم مىخوانيم بر تو اى محمد از خبرها آنچه بتحقيق كذشته است يعنى از أمور ماضيه وقرون سابقه ترا خبر ميدهيم تا معجزهء نبوت تو بود وتنبيه مستبصران أمت تو ] وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا متعلق بآتينا اى من عندنا ذِكْراً اى كتابا شريفا مطويا على هذه الأقاصيص والاخبار حقيقا بالتفكر والاعتبار وفي الكبير في تسميته به وجوه . الأول انه كتاب فيه ذكر ما يحتاج اليه في امر دينهم ودنياهم . والثاني ان يذكر أنواع آلاء اللّه ونعمائه وفيه التذكير والموعظة . والثالث فيه الذكر والشرف لك ولقومك وقد سمى اللّه كل كتبه ذكرا فقال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ قال بعض الكبار اى موعظة تتعظ بها وتتأدب بملازمتها فلا يخفى عليك شئ من أسرارنا وما اودعناه اسرار الذين كانوا قبلك من الأنبياء فتكون الأنبياء مكشوفين لك وأنت في ستر الحق مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ عن ذلك الذكر العظيم الشأن الجامع لوجوه السعادة والنجاة فلم يعتبر ولم يعمل به لانكاره إياه ومن شرطية أو موصولة وأياما كانت فالجملة صفة لذكر فَإِنَّهُ اى المعرض عنه يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً عقوبة ثقيلة على كفره وسائر ذنوبه وتسميتها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره خالِدِينَ فِيهِ اى ماكثين في الوزر حال من المستكن في يحمل والجمع بالنظر إلى معنى من لما ان الخلود في النار مما يتحقق حال اجتماع أهلها وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا اى بئس لهم حملا وزرهم واللام للبيان كأنه لما قيل ساء قيل لمن يقال هذا فأجيب لهم وإعادة يوم القيامة لزيادة التقرير وتهويل الأمر * وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن من اعرض عن الذكر الحقيقي الذي به قامت حقيقة الايمان والإيقان والعرفان فإنه يحمل يوم القيامة حملا ثقيلا من الكفر والنفاق والشرك والجهل والعمى وقساوة القلب والرين والختم والأخلاق الذميمة والبعد والحسرة والندامة وخسر حقيقة العبودية ودوام الذكر ومراقبة القلب وصدق التوجه لقبول الفيض الإلهي الذي هو حقيقة الذكر الذي أوله ايمان وأوسطه ايقان وآخره عرفان فالذكر الايمانى يورث الاعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة بترك المعاصي والاشتغال بالطاعات والذكر الايقانى يورث ترك الدنيا وزخارفها حلالها وحرامها وطلب الآخرة ودرجاتها منقطعا إليها والذكر العرفاني يوجب قطع تعلقات الكونين والتبكير إلى سعادة الدارين في بذل الوجود على شواهد المشهود انتهى فاعلى المراتب في الذكر فناء الذاكر في المذكور فلا يبقى للنفس هناك اثر - روى - انه كثر الزنى في بغداد وكثر الفسق فقيل للشبلى لولا ذكرك لا حرقنا البلدة فلما سمعه بعض أهل النفس قال أليس لنا ذكر فقال الشبلي ذكركم بوجود النفس وذكرى باللّه واعلم أن التوحيد أفضل العبادات وذكر اللّه أقرب القربات وقد وقت اللّه العبادات كلها كالصلاة والصيام والحج ونحوها بالمواقيت الا الذكر فإنه امر به على كل حال قياما وقعودا